دراسة توصي بالعمل على تحقيق الحضور في منطقة الشرق الأوسط من قبل المملكة العربية السعودية، من منطلق الاحتضان والتفاعل والتقارب مع القوي المهمة

دراسة توصي بالعمل على تحقيق الحضور في منطقة الشرق الأوسط من قبل المملكة العربية السعودية، من منطلق الاحتضان والتفاعل والتقارب مع القوي المهمة
طباعة تكبير الخط تصغير الخط

منحت أكاديمية الإدارة والسياسة للدراسات العليا ضمن البرنامج المشترك مع جامعة الأقصى درجة الماجستير للباحث/ خالد كمال محمد هنية، وذلك بعد مناقشة رسالته الموسومة بعنوان: "السياسة الخارجية التركية تجاه المملكة العربية السعودية 2002-2015"، والتي عُقدت في قاعة المؤتمرات بمبنى الإدارة في جامعة الأقصى، يوم الإثنين الموافق 11-04-2016، وتكونت لجنة المناقشة كلاً من: د. إبراهيم محمود حبيب مشرفاً ورئيساً، و أ. د. عبد الناصر محمد سرور مناقشاً خارجياً، و د. أحمد جواد الوادية مناقشاً داخلياً.

 

توصلت الدراسة إلى النتائج التالية:

1- إن الدولة العثمانية في ظل حكمها للمنطقة العربية لأكثر من أربعة قرون متتالية، جعلها تولي الحجاز أهمية كبيرة نظراً لمكانتها الدينية (من خلال تأمين الحجيج والإشراف، والحماية للحرمين الشرفين)، وإنشاء سكة حديد، لنقل الحجيج في البلاد العربية وجوارها.

2- أدى سقوط الخلافة العثمانية؛ في عام (1924) م، إلى تحييد تركيا عن المنطقة العربية من خلال اتباعها سياسة إدارة الظهر بناءً على الفكر العلماني الذي طبقه مصطفى كمال الدين أتاتورك.

3- إن حالة التراجع التاريخية في العلاقات التركية العربية، حتى ستينيات القرن الماضي لم تمنع من الحفاظ على علاقات صداقة بين تركيا والسعودية، فقد وقع البلدان عام (1929) م على اتفاق تعاون وصداقة بينهما.

4- شكلت الانقلابات الثلاثة في تركيا، وهي في عام (1961-1971-1980) حالة من التغير والتدافع في البيئة الداخلية التركية، لصالح الإسلام السياسي، والذي كانت له محاولات كبيرة من أجل تعزيز مكانته الداخلية في تركيا. الأمر الذي أفرز حزب العدالة والتنمية برؤية براغماتية مبنية على التجارب السابقة.

5- كان للطفرتين النفطيتين الأولى والثانية، أهمية كبيرة للتقارب التركي السعودي، وهو ما تزامن مع الأزمة القبرصية عام (1974) م، نتيجة تخلي الولايات المتحدة عنها، بالوقوف إلى جانب اليونان، فكانت العلاقات مهمة ومتدافعة نتيجة المتغيرات الداخلية.

6- شكل عام (2002) م نقطة تحولاً في السياسة التركية تجاه المملكة، والتي عززت من الحضور التركي في المملكة العربية السعودية، ولاسيما أنه قد تلاها الغزو الأمريكي للعراق والذي كان متزامناً مع وصول العدالة والتنمية للحكم. بالإضافة للمواقف الإيجابية التي أبدتها تركيا حيال الغزو الأمريكي، بمنعها للأخيرة، من استخدام قواعدها العسكرية، لاستهداف العراق.

7- إن البيئةَ الداخلية التركية، لهما دورٌ كبيرٌ في التوجه التركي للسعودية، حيث إن المجتمع التركي، بغالبيته الإسلامية يدفع صانع القرار بالتوجه للمملكة، نظراً لأهميتها الدينية.

8- إن اهتمام تركيا بالسعودية يكمن بالدرجة الأولى ببعده الاقتصادي، تاريخياً- حيث إن هناك صفحات مهمة في دعم السعودية لتركيا، بهبات نفطية ومالية لصالح تركيا، للخروج من كبوتها الاقتصادية، كما كان لها جهدٌ كبيرٌ في الحضور التركي في منظمة التعاون الإسلامي.

9-  إن السياسة الخارجية التركية تجاه السعودية، توليها تركيا اهتماما، على اعتبارها مدخلاً استراتيجيا مهماً، لتعزيز حضورها في منطقة الشرق الأوسط، والذي نبع من موقع المملكة، الديني والاقتصادي والسياسي.

10- إن التنافس التركي الإيراني، على مساحات النفوذ (دائرة آسيا الوسطي، المنطقة العربية، القضية الفلسطينية)، والذي تقاطع مع التهديد الإيراني للأمن القومي السعودي، والمنطقة العربية، عزز من التقارب السعودي التركي.

11- تعد (سوريا والعراق) نقطة تقاطع حقيقية في التوازن الجيوستراتيجي بين تركيا والسعودية، حيث يتشاركان فيها الحدود، والتهديدات الجيبولوتكية، نظراً للاستحواذ الإيراني، من جانب تهديده للسعودية، وباعتباره مساحة نفوذ تركية، بالإضافة للتهديد الكردي لتركيا، ولاسيما حزب العمال الكردستاني، b-k-k)) والتي كانت تعتبره سوريا تاريخيا ورقة ضغط على تركيا.

12- تلعب الولايات المتحدة الأمريكية دوراً مهماً، في سياسة تركيا تجاه السعودية، نظراً للعلاقات الوطيدة، بالولايات المتحدة الأمريكية، لدي الطرفين تاريخياً، الأمر الذي يوليه الطرفان أهمية، في تحركاتهما تجاه المنطقة، نتيجة للهيمنة الأمريكية على العالم.

13- إن تراجع حضور الولايات المتحدة الأمريكية، في ملفات المنطقة، شكل ذلك عامل مبادرة بين الطرفين التركي والسعودي، لتحقيق المكانة الإقليمية لسد الفراغ فيها، ولاسيما والتقارب التركي الإيراني، بعد الاتفاق النووي- الأمر الذي تعده السعودية تهديداً لأمنها القومي.

14- إن التدخل الروسي في ملفات المنطقة، والذي يتمثل في سوريا، يشكل حالة تهديد لتركيا، وهو على الصعيد التركي ينبع من حالة التنافس على منطقة(آوراسيا)، مما يدفع هذا التنافس إلى حالة صراع في الملفات المتفجرة، ولاسيما الملف السوري، وعلي صعيد السعودية، نتيجة التحالف الإيراني مع روسيا والنظام السوري، الأمر الذي يمثل تهديدا جيبولوتوكيا للسعودية.

15- شكلت ثورات الربيع العربي حالةً من الفتور في العلاقات التركية السعودية، نتيجة التباين في المواقف بينهما تجاه الثورات، ولاسيما الثورة المصرية، حيث كانت تركيا متحمسة ومهتمة وداعمة للتغيرات في دول الربيع العربي، على النقيض الموقف السعودي، الذي اعتبرها تهديداً للأمن القومي السعودي ولاسيما فترة الملك عبد الله.

16- إن المتغير الجديد في المملكة العربية السعودية، بتولي الملك سلمان الحكم، عزز من التقارب التركي السعودي، والذي أحدث تغيراً حقيقياً في التوجهات السعودية باستدعاء الدور الإقليمي، والذي أولته تركيا أهمية كبيرة، فعملت الأخيرة على استغلال هذه الورقة، لتحقيق متغيرات جديدة للواقع السياسي في الإقليم، ولاسيما الملف السوري والعراقي، فلقد شهد العام (2015)م متغيرات حقيقية في حسم مساحات الصراع والتهديد الإيراني، سيما عاصفة الحزم في اليمن، الأمر الذي عزز من امتلاك السعودية لزمام المبادرة.

17- إن التعاون الاستراتيجي التركي السعودي والذي كان آخره، انضمام تركيا للتحالف التي دعت إليه السعودية، والإعلان بين الطرفين عن تشكيل مجلس تعاون استراتيجي، في كل المجالات العسكرية والاقتصادية والسياسية، شكل حالة من التوازن والتقارب بينهما، والذي اتفق الطرفان فيه على التطوير البنيوي، ليشمل تعزيز البنية العسكرية والاقتصادية من خلال التكامل الوظيفي في كل المجالات، الأمر الذي سيحسم ملفات مختلفة في المنطقة العربية.

 

وقد توصلت الدراسة إلى عدة توصيات أهمها:

1- على المملكة العربية السعودية، العمل على تحقيق الحضور في منطقة الشرق الأوسط، من منطلق الاحتضان والتفاعل والتقارب مع القوي المهمة، بما يتناسب مع موقعا ومكانتها الدينية والاقتصادية، وألا يكون حضورها نتيجة للمساس بأمنها القومي، ومن الأهمية بمكان التشارك مع تركيا.

2- ضرورة تعزيز التحالف الجديد من خلال إيضاح أهدافه، وتشكيل منطقة عمليات مشتركة لدول التحالف، كما وتعزيز الترسانة العسكرية، بحيث يضاهي الأحلاف الدولية، سيما حلف الشمال الأطلسي، فلو قدرت الإمكانات التركية السعودية، فإنها تستطيع تنفيذ ذلك، حيث إن تركيا ثاني أكبر قوة في حلف الشمال الأطلسي.

3- أهمية إدراك الدور تركيا الاستراتيجي في الاقليم والعالم، وهو الأمر الذي يشكل عامل توازن وردع، للتهديدات التي تواجه المنطقة العربية، من خلال سد الفراغ الإقليمي وحماية المنطقة من التقسيم الجديد لها، الأمر الذي سيشكل منعة قوية، تدفع بالخروج من الهيمنة الأمريكية والولاء للغرب.

4- حث المملكة العربية السعودية، بضرورة إعادة صياغة حجم الإنفاق العسكري بطريقة ترشد الاستهلاك، وتحقق التطوير في الصناعات العسكرية كماً ونوعاً، ويمكن تحقيق ذلك من خلال استقدام الخبرات والمهرة والمختصين، من أجل تعزيز الصناعات المحلية، والذي من أهمية بمكان الاستعانة بتركيا، حيث وفرة المواد الخام والمختصين لديها، الأمر الذي سيعود بالمنفعة على الدولتين، بما يحقق ترسانة أقوى وإمكانات أقوى.

5- يجب إدراك التهديدات الغربية، التي تسعي إلى تقسيم المنطقة تحت مسميات ومصطلحات مختلفة، مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير، حيث ينبع هذا الإدراك من خلال العمل على التشاركية في التحالف بين الدول المهددة بالتقسيم، والتي تعد تركيا والمملكة جزءً منها.

6- على تركيا والمملكة توحيد الجهود، الرامية إلى حضور تركيا في المنطقة كعنصر موازن، وهو الذي يتفق مع رؤيتها السياسية، حتى يتم تمرير النزاع الطائفي في المنطقة، لاسيما بين المملكة وإيران، ويتحقق ذلك من خلال لعب تركيا دور الوسيط للسلام، وهو الأمر الذي يكون لصالح الإقليم ككل.

7- على الساسة الفلسطينيين ولاسيما فصائل المقاومة، العمل على تحقيق التوازن والتحييد في المواقف في العلاقة مع قوى الإقليم في ظل تجاذب وتدافع القوي الفاعلة، حتى يتم تجنيب القضية الفلسطينية، مواقف تاريخية من شأنها الاضرار بالمصالح العليا للشعب الفلسطيني.